النويري
10
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأحضر رجل امرأته إلى بعض قضاة البصرة ، وكانت حسنة المنتقب ، قبيحة المسفر ؛ فمال القاضي لها على زوجها وقال : يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة فيتزوّجها ثم يسئ إليها . ففطن الرجل لميله إليها فقال : أصلح اللَّه القاضي ، قد شككت في أنها امرأتي ، فمرها تسفر عن وجهها ؛ فوقع ذلك بوفاق من القاضي ، فقال لها : اسفري رحمك اللَّه ؛ فسفرت عن وجه قبيح . فقال القاضي لمّا نظر إلى قبح وجهها : قومي عليك لعنة اللَّه ! كلام مظلوم ، ووجه ظالم . قيل : بينا رقبة بن مصقلة القاضي في حلقته ، إذ مرّ به رجل غليظ العنق ؛ فقال له بعض جلسائه : يا أبا عبد اللَّه ، هذا أعبد الناس . فقال رقبة : إني لأرى لهذا عنقا ما دقّقتها « 1 » العبادة . قال : فمضى الرجل وعاد قاصدا إليهم . فقال رجل لرقبة : يا أبا عبد اللَّه ، أخبره بما قلت حتى لا تكون غيبة ؛ قال : نعم ، أخبره أنت حتى تكون نميمة . ودخل رقبة إلى المسجد الأعظم فألقى نفسه إلى حلقة قوم ، ثم قال : قتيل فالوذج رحمكم اللَّه ! قالوا : عند من ؟ قال : عند من حكم في الفرقة وقضى في الجماعة ، يعنى : بلال بن أبي بردة . واختصم رجلان إلى إياس بن معاوية وهو قاضى البصرة لعمر بن عبد العزيز في مطرف خزّو أنبجانىّ ، وادّعى كل واحد منهما أن المطرف له وأن الأنبجانىّ لصاحبه . فدعا إياس بمشط وماء ، فبلّ رأس كل واحد منهما ، ثم قال لأحدهما : سرّح رأسك فسرّحه ، فخرج في المشط عفر المطرف ، وفي مشط الآخر عفر الأنبجانىّ ؛ فقال : يا خييث ! الأنبجانىّ لك ، فأقرّ ، فدفع المطرف لصاحبه . وقال رجل لإياس : هل ترى علىّ من بأس إن أكلت تمرا ؟ قال لا . قال : فهل ترى علىّ من بأس ان أكلت معه كيسوما ؟ قال لا . قال : فإن شربت عليهما ماء ؟ قال : جائز .
--> « 1 » في أحد الأصول : « ما وقدتها » وفي أصل آخر : « ما دقتها » .